محمد بن جرير الطبري

98

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

القياس الخطأ ، وهو هذا الذي ذكرنا من خطأ قوله وبعده من إصابة الحق في الفضل الذي خص الله به آدم على سائر خلقه من خلقه إياه بيده ، ونفخه فيه من روحه ، وإسجاده له الملائكة ، وتعليمه أسماء كل شيء مع سائر ما خصه به من كرامته ؛ فضرب عن ذلك كله الجاهل صفحا ، وقصد إلى الاحتجاج بأنه خلقه من نار وخلق آدم من طين ، وهو في ذلك أيضا له غير كفء ، لو لم يكن لآدم من الله جل ذكره تكرمة شيء غيره ، فكيف والذي خص به من كرامته يكثر تعداده ويمل إحصاؤه ؟ . حدثني عمرو بن مالك ، قال : ثما يحيى بن سليم الطائفي ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، قال : أول من قاس إبليس ، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا محمد بن كثير ، عن ابن شوذب ، عن مطر الوراق ، عن الحسن ، قوله : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قال : قاس إبليس وهو أول من قاس . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس ، قال : لما خلق الله آدم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السماوات : اسجدوا لآدم فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر ، لما كان حدث نفسه من كبره واغتراره ، فقال : لا أسجد له ، وأنا خير منه ، وأكبر سنا ، وأقوى خلقا ، خلقتني من نار وخلقته من طين . يقول : إن النار أقوى من الطين . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ قال : ثم جعل ذريته من ماء . قال أبو جعفر : وهذا الذي قاله عدو الله ليس لما سأله عنه بجواب ، وذلك أن الله تعالى ذكره قال له : ما منعك من السجود ؟ فلم يجب بأن الذي منعه من السجود : أنه خلقه من نار ، وخلق آدم من طين ، ولكنه ابتدأ خبرا عن نفسه ، فيه دليل على موضع الجواب ، فقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ القول في تأويل قوله تعالى : قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها يعني بذلك جل ثناؤه : قال الله لإبليس عند ذلك : فَاهْبِطْ مِنْها وقد بينا معنى الهبوط فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها يقول تعالى ذكره : فقال الله له : اهبط منها يعني : من الجنة فما يكون لك ، يقول : فليس لك أن تستكبر في الجنة عن طاعتي وأمري . فإن قال قاتل : هل لأحد أن يتكبر في الجنة ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت ، وإنما معنى ذلك : فاهبط من الجنة ، فإنه لا يسكن الجنة متكبر عن أمر الله ، فأما غيرها فإنه قد يسكنها المستكبر عن أمر الله والمستكين لطاعته . وقوله : فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ يقول : فأخرج من الجنة إنك من الذين قد نالهم من الله الصغار والذل والمهانة ، يقال منه : صغر يصغر صغرا وصغارا وصغرانا ؛ وقد قيل : صغر يصغر صغارا وصغارة . وبنحو الذي قلنا قال السدي . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ والصغار : هو الذل . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ وهذه أيضا جهلة أخرى من جهلاته الخبيثة ، سأل ربه ما قد علم أنه لا سبيل لأحد من خلق الله إليه ؛ وذلك أنه سأل النظرة إلى قيام الساعة ، وذلك